فخر الدين الرازي
256
تفسير الرازي
منزلاً وأهلاً وخدماً في الجنة ، فإن أطاع أعطى ذلك ، وإن كان من أهل النار حرم ذلك فخسر نفسه وأهله ومنزله وورثه غيره من المسلمين ، والخاسر المغبون ، ولما شرح الله خسرانهم وصف ذلك الخسران بغاية الفظاعة فقال : * ( ألا ذلك هو الخسران المبين ) * كان التكرير لأجل التأكيد الثاني : أنه تعالى ذكر في أول هذه الكلمة حرف ألا وهو للتنبيه ، وذكر التنبيه في هذا الموضع يدل على التعظيم كأنه قيل إنه بلغ في العظمة إلى حيث لا تصل عقولكم إليها فتنبهوا لها الثالث : أن كلمة ( هو ) : في قوله : * ( هو الخسران المبين ) * تفيد الحصر كأنه قيل كل خسران فإنه يصير في مقابلته كلا خسران الرابع : وصفه بكونه ( مبيناً ) : يدل على التهويل ، وأقول قد بينا أن لفظ الآية يدل على كونه خسراناً مبيناً فلنبين فحسب المباحث العقلية كونه خسراناً مبيناً ، وأقول نفتقر إلى بيان أمرين إلى أن يكون خسراناً ثم كونه مبيناً أما الأول : فتقريره أنه تعالى أعطى هذه الحياة وأعطى العقل ، وأعطى المكنة وكل ذلك رأس المال ، أما هذه الحياة فالمقصود منها أن يكتسب فيها الحياة الطيبة في الآخرة . وأما العقل فإنه عبارة عن العلوم البديهية وهذه العلوم هي رأس المال والنظر ، والفكر لا معنى له إلا ترتيب علوم ليتوصل بذلك الترتيب إلى تحصيل علوم كسبية ، فتلك العلوم البديهية المسماة بالعقل رأس المال وتركيبها على الوجوه المخصوصة يشبه تصرف التاجر في رأسه المال وتركيبها على الوجوه بالبيع والشراء ، وحصول العلم بالنتيجة يشبه حصول الربح ، وأيضاً حصول القدرة على الأعمال يشبه رأس المال ، واستعمال تلك القوة في تحصيل أعمال البر والخير يشبه تصرف التاجر في رأس المال ، وحصول أعمال الخير والبر يشبه الربح ، إذا ثبت هذا فنقول : إن من أعطاه الله الحياة والعقل والتمكن ، ثم إنه لم يستفد منها لا معرفة الحق ولا عمل الخير البتة كان محروماً عن الربح بالكلية ، وإذا مات فقد ضاع رأس المال بالكلية فكان ذلك خسراناً ، فهذا بيان كونه خسراناً وأما الثاني : وهو بيان كون ذلك الخسران مبيناً فهو أن من لم يربح الزيادة ولكنه مع ذلك سلم من الآفات والمضار ، فهذا كما لم يحصل له مزيد نفع لم يحصل له أيضاً مزيد ضرر ، أما هؤلاء الكفار فقد استعملوا عقولهم التي هي رأس مالهم في استخراج وجوه الشبهات وتقوية الجهالات والضلالات ، واستعملوا قواهم وقدرهم في أفعال الشر والباطل والفساد ، فهم قد جمعوا بين أمور في غاية الرداءة أولها : أنهم أتعبوا أبدانهم وعقولهم طلباً في تلك العقائد الباطلة والأعمال الفاسدة وثانيها : أنهم عند الموت يضيع عنهم رأس المال من غير فائدة وثالثها : أن تلك المتاعب الشديدة التي كانت موجودة في الدنيا في نصرة تلك الضلالات تصير أسباباً للعقوبة الشديدة والبلاء العظيم بعد الموت ، وعند الوقوف على هذه المعاني يظهر أنه لا يعقل خسران أقوى من خسرانهم ، ولا حرمان أعظم من حرمانهم ، ونعوذ بالله منه . ولما شرح الله تعالى أحوال حرمانهم عن الربح وبين كيفية خسرانهم ، بين أنهم لم يقتصروا على الحرمان والخسران ، بل ضموا إليه استحقاق العذاب العظيم والعقاب الشديد ، فقال : * ( لهم من